Homepage »     Skip page »

اليوم الذي سنقول فيه للفايسبوك يا بابا

(علي غملوش - mbc.net) هي اللحظة التي تبدأ بالنظر فيها إلى الأسفل لتتفقد النقطة التي تقف عليها انت اليوم على "تايملاين حياتك"، تحاول فك كود المرحلة، يرن الهاتف منبّهاً ان العصر يسبقك وعليك انهاء هذه المحاولة سريعاً. تتنهد، تبتسم تتفقد هاتفك، تغرق لدقائق في بحر من الرسائل والتحديثات الصباحية، تسير بلا وعي إلى الغرفة المجاورة، ترتدي ثياب المرحلة وتمضي إلى ما تبقى لك من ال "التايملان".

تمضي الى الصفحة الثانية من يومك، تعود لهاتفك وتتصفح صور أطفالك الذين ما عادوا أطفالاً بعد اليوم. تتأمل وجوههم ووجوه من معهم. تحاول فهم ما لا تعرفه عنهم من الـ "انستغرام" الخاص بهم. تبحث عن نفسك في كل صورة من صورهم. تبحث عنك بهم، عن وجودك من خلالهم، تعطي نفسك ما لاتملك "انا علمته هذه الحركة" تعزي نفسك قائلاً.

 

ماذا قلت إنك علّمته؟

علّمته كيف يستعمل أصابعه لحمل "الشوكة" في صغره، فعلّمك كيف تستعمل أصابعك لفتح "كود" الهاتف في كبرك. علّمته كيف يلفظ أسماء أيام الأسبوع في صغره، فعلّمك كيف تستعمل ال "Google calendar" لتنظيم أيام الأسبوع في كبرك. علمته اسلوب الحوار فعلمك على وسائل ال "التشات". علمته كيف يختار أصدقائه بعناية فعلمك كيف تضيف أصدقائك على حسابك في "Facebook"، علمته كيف يستعمل الكاميرا لإلتقاط الصورة لأول مرة، فعلّمك كيف تستعمل المؤثرات على "انستغرام" خمسون مرة. قلت له مرة "لا تخفي مشاعرك لمن تحب" قال لك مرات "لا تبالغ في استعمال ال Like على فايسبوك فهذا مزعج يا أبي". أخبرته عما عليه توقعه في حياته، فأخبرك عما فاتك في حياتك، وأخبرك عن برامج ومواقع وتطبيقات لوهلة كدت تظن انها اسماء لأدوية، أخبرك كم تطوّر الزمن وتطوّر معه هو واصدقائه فقط. اخبرك دون ان يقولها، لا تهدر وقتك في البحث في صوري، فانت لن تجد ما تبحث عنه.

 

مهلاً...هل قال لك تطوّر؟

"الانترنت ضيف ثقيل دخل إلى غرف جلوسنا وإلى غرف نوم أولادنا وإلى حميميتنا العائلية من دون إستئذان" يقول الدكتور نبيل خوري الاختصاصي في علم النفس العيادي، معتبراً ان دخول الاتكنولوجيا إلى تفاصيل حياتنا اليومية لا يعتبر بالضرورة تطوراً اذا ما قسناه على المستوى العائلي المجتمعي. بل قد هو انحدار لمفهوم العائلة التقليدي كما كنا نفهمه وإستجرار لمبادىء وقيم غريبة عن ثقافتنا. قيم مجبولة بطابع غربي يختلف عن طقوس الدول التي لم تكن في الواقع منغمسة كلياً في الحضارة الغربية. مما ادّى إلى ظهور مشاكل على مستوى التواصل بين الأب وإبنه و بين الأم وإبنتها وبين الاهل معاً والاولاد، خصوصاً المراهقين منهم الذين باتوا يعتبرون تخلف الاهل عن مواكبة التكنولوجيا هو تخلف عن ركب الحضارة كما يفهمها المراهقون إلى ان تحول في بعض الاحيان لنوع من السخرية من الأهل ورفض تلقائي لأي دور لهم، فحلّت شبكات التواصل الاجتماعي مكان الدور المفترض للأهل ان على مستوى التوجيه الخلقي او الإنساني او الفكري بشكل عام.

 

اليوم الذي سنقول فيه للفايسبوك "يا بابا"

ساهمت وسائل التواصل الإجتماعي في اضمحلال صورة الاب بشكل خاص لدى المراهقين. وهي الصورة التي اعتبرتها الاجيال ولقرون مضت المعيار الرئيسي في تكوين شخصية المراهق. ايجاباً عندما يكون الوالد مثالاً اعلى لابنه، او سلباً عندما يطمح الإبن لتكوين شخصية مغايرة عن صورة أبيه. لكن في كلا الحالتين المعيار هو صورة الأب. و مع غياب هذه الصورة عن حسابات الإبن يغيب المعيار وتضيع الخيارات لحظة دخول المراهق في معترك الحياة. يعتبر الدكتور خوري ان الانترنت قد أساء إلى دور الأهل من حيث ندري او من حيث لا ندري وبالتالي اصبح الولوج للانترنت يضفي منحى تثقيفي وتوجيهي للمراهق قائم على ابحاث غالباً ما نكون نجهلها او لا نعرف مكنوناتها الفعلية اذا كانت نافعة او ضارة وهي حلت تدريجياً مكان دور الأهل في التوجيه وادّى الى انتهاء مفاعيل العائلة كما نفهمها. هذا الامر ادى الى ارتفاع السقف الخلقي عند المراهق حتى بات يشعر انه اذكى لا بل اكثر اضطلاعاً وثقافة من أهله. ما سبب بفقدان الثقة بأهلية الاب والأم على مجاراته وارشاده على الطريق القويم. فاكتفى المراهق بما سمعه ونهله عبر شبكات التواصل وبات يصنف نفسه عائلياً على انه الأكثر حداقة والأكثر ذكاءً واصبح يعيش حالة وهن إدراك كل شيء. وهو في الواقع قد يكون تثقف على مستويات عدّة غير ان ثقافته الإجتماعية العائلية باتت مجتزئة أو الى حد ما معدومة.

 

لقد خدعنا "رجل الكابل"

التكنولوجيا قلبت المعايير العائلية فعلاً وساهمت في تغيير الصورة النمطية التي عهدناها للعائلة. ان من ناحية العلاقات بين الاهل والاولاد او حتى بين الام والاب كثنائي. حدث كل ذلك في فترة لا تتجاوز العشر سنوات وبدأ تحديداً يوم انجز"صاحب كابل الانترنت" عمله على سطح منزل العائلة وغادر تاركاً ما سيعتبر يوماً ما سبب ضياع السقف والمنزل والعائلة. اول المنفصلين عن مائدة العائلة كان المراهقون. حاول الأهل جاهدين اللحاق بأولادهم الى عالمهم الالكتروني بمجهود خاص حيناً او بمساعدة اولادهم احياناً اخرى. انتهى المشهد العائلي بمنزل واحد وعائلة تائهة كل في عالمه الخاص. ففي اليوم الذي فهم فيه الأولاد الذين اصبحوا شباباً ان لا غنى عن العائلة وعن صورة الأب و عطف الأم عادوا ليجدوا اهلهم و قد اصابتهم العدوى واصبح لكل منهم عالمه الخاص.

 

وحده "رجل الكابل" لم يتغير!.

Homepage »     Skip page »